أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي

8

ملاك التأويل

التعبير ، فعسر إلا على الماهر حفظاً ، وظن الغافل عن التدبر والمخلد إلى الراحة عن التفكر ، أن تخصيص كل آية من تلك الآيات بالوارد فيها مما خالفت فيه نظيرتها ليس لسبب تقتضيه وداع من المعنى يطلبه ويستدعيه ، وأن ليس على جميع الوارد من ذلك محرزات من المعاني عند ذوي الأفهام ومقتضيات من لوازم جليل التركيب من ذلك المعجز العلي من النظام ، فلا يليق بكل من تلك الواضع إلا الوارد فيه وإن تقرير وقوع آية منها في موضع نظيرتها ينافي مقصود ذلك الموضع وينافيه . فتعساً لمن تنكب عن واضح آياته ، وكأن لم يقرع سمعه قوله تعالى : " كتاب أنزلناه مبارك ليدبروا آياته " . وإن مما حرك إلى هذا الغرض وألحقه عند من تحلى ولوعاً باعتباره والتدبر لعجائبه الباهرة وأسراره ، بمثل حالي على استحكام جذبي وإمحالي بالواجب المفترض ، إنه باب لم يقرعه ممن تقدم وسلف ومن حذا حذوهم ممن أتى بعدهن وخلف ، أحد فيما علمته على توالي الأعصار والمدد وترادف أيام الأبد ، مع عظيم موقعه وجليل منزعه ، ومكانته في الدين وفته أعضاد ذوي الشك والارتياب من الطاعنين والملحدين ، إلى أن ورد علي كتاب لبعض المعتنين من جلة المشارقة [ ابن الخطيب الإسكافي ] نفعه الله سماه بكتاب درة التنزيل وغرة التأويل ، قرع به مغلق هذا الباب وأتى في هذا المقصد بصفو من التوجيهات لباب ، وعرف أنه باب لم يوجفه عنه أحد قبله بخيل ولا ركاب ، ولا نطق ناطق قبل فيه ، بحرف مما فيه . وصدق رحمه الله وأحسن فيما سلك وسن وحق لنا به - لإحسانه - أن نقتدى به ونستن ، فحرك من فكري الساكن وأضربت عن فسحته بالاستدراك بلكن ، وأبديت بحول ربي من مكنون خاطري إلى الظهور ما أثبته بعون الله وقوته في هذا المسطور ، معتمداً عين ما ذكره من الآيات ومستدركاً ما تذكرته مما أغفله رحمه الله من أمثالها من المتشابهات ، وإبداء المعاني الخفيات القاطعة بدرب البطالات ، من غير أن أقف في أكثر ذلك على كلامه إلا بعد إبدائي ما يلهمه الله سبحانه وإتمامه ، ولا ناقلاً إلا في الشاذ النادر كلام أحد من أرباب المعاني إذ لم يعترض أحد غير من تقدم ذكره لما من هذا الضرب أعاني ، وإنما يلقيه فكري إلى ذكري فيلقيه ترجمان فهمي على قلمي ، وإن آثرت بعض ما عليه لغيري عثرت فنقلت أفصحت بالنسبة وعقلت ، وما أرى ذلك يبلغ في هذا المجموع غاية أقل الجموع ، وإن نيف فيسير والتحقق في ذلك بلازم الذهول الإنساني عسير ، وما سوى ذلك فأنا ابن نجدته وذو عهدته ، " وما بكم من نعمة فمن الله " . وقد